العيني
56
عمدة القاري
من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه . وقال ابن أبي عروبة : لا نعده عالماً ، وكذا قاله عثمان بن عطاء عن أبيه . وقال الحارث بن يعقوب : الفقيه من فقه في القراءة ، وعرف مكيدة الشيطان . قال أبوُ عبْدِ اللَّهِ : وبعْدَ أنْ تُسوَّدُوا ، وقدْ تَعَلَّمَ أصْحابُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كِبَرِ سِنّهِمْ . هذه زيادات جاءت في رواية الكشميهني فقط ، وأراد البخاري بقوله : ( قال أبو عبد اللَّه ) ، نفسه لأن كنيته أبو عبد اللَّه . وقال الكرماني : ولا بد من مقدر يتعلق به لفظ : وبعد ، والمناسب أن يقدر : لفظ تفهموا ، يعني الماضي ، فيكون لفظ : ( تسودوا ) بفتح التاء ماضياً كما أنه يحتمل أن يكون : تسودوا ، من التسويد الذي من السواد ، أي : بعد أن يسودوا لحيتهم مثلاً ، أي : في كبرهم ، أو أي : بعد زوال السواد أي في الشيب . والله أعلم بحقيقة الحال . قلت : هذا كله تعسف خارج عن مقصود البخاري ، إذ مقصوده الأمر بالتفقه قبل السيادة وبعدها . فقوله : ( وبعد أن تسودوا ) عطف على قول عمر ، رضي الله عنه : قبل أن تسودوا ، وهو أيضاً ، بضم التاء كما في قول عمر : رضي الله عنه ، والمعنى : تفقهوا قبل أن تسودوا وتفقهوا بعد أن تسودوا ، إذ لا يجوز ترك التفقه بعد السيادة ، إذا فاته قبلها ، والدليل على صحة ما قلنا أن البخاري أكد ذلك بقوله : وقد تعلم أصحاب النبي ، عليه السلام ، في كبر سنهم ، لأن الناس الذين آمنوا بالنبي ، عليه السلام ، وهم كبار ما تفقهوا إلاَّ في كبر سنهم . 73 حدّثنا الحُمَيْدِيُّ قال : حدثنا سُفيانُ قال : حدْثني إسْماعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ عَلى غيْرِ ما حدثناهُ الزُّهريُّ قال : سَمِعْتُ قَيْسَ بنَ أبي حازِمٍ قال : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ قال : قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : ( لاَ حَسَدَ إلاَّ في اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَسُلِّطَ عَلى هَلَكَتهِ في الحَقِّ ، ورَجُلٌ آتاهُ الله الحكْمَة فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُها ) . . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن البخاري حمل ما وقع في الحديث من لفظ الحسد على الغبطة ، فأخرجه عن ظاهره وحمله على الغبطة ، وتمني الأعمال الصالحة . وترجم الباب عليه . بيان رجاله : وهم ستة ، والكل قد ذكروا ، والحميدي : هو أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير ابن عيسى المكي ، صاحب الشافعي ، أخذ عنه ورحل معه إلى مصر ، ولما مات الشافعي رجع إلى مكة . وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، وقيس بن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والسماع . ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعين . ومنها : أن رواته ما بين مكي وكوفي . ومنها : أن فيه سفيان بن عيينة ، وقد ذكر أن الزهري حدثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل ، وهو معنى قوله : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري ، برفع الزهري ، لأنه فاعل : حدث ، و : نا ، مفعوله ، والضمير يرجع إلى الحديث الذي يدل عليه : حدثنا ، والغرض من هذا الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري ، إما مغايرة في اللفظ ، وإما مغايرة في الإسناد ، وإما غير ذلك . وفائدته : التقوية والترجيح بتعداد الطرق ، ورواية سفيان عن الزهري أخرجها البخاري في التوحيد عن علي بن عبد اللَّه عنه ، قال : قال الزهري عن سالم ، ورواها مسلم عن زهير بن حرب ، وغيره عن سفيان بن عيينة ، قال : ثنا الزهري عن سالم عن أبيه ، ساقه مسلم تاماً ، واختصره البخاري . وأخرجه البخاري أيضاً تاماً في فضائل القرآن من طريق شعيب عن الزهري ، قال : حدثني سالم بن عبد اللَّه بن عمر ، فذكره . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري ههنا عن الحميدي عن سفيان . وأخرجه أيضاً في الزكاة عن محمد بن المثنى عن يحيى القطان . وفي الأحكام وفي الاعتصام عن شهاب بن عباد عن إبراهيم بن حميد الرواسي . وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع ، وعن محمد بن عبد اللَّه بن نمير عن أبيه ، ومحمد بن بشر . وأخرجه النسائي في العلم عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير ووكيع وعن سويد بن نصر عن عبد اللَّه بن المبارك ، ثمانيتهم عن إسماعيل بن أبي خالد عنه به . وأخرجه ابن ماجة في الزهد عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير به . بيان اللغات : قوله : ( لا حسد ) ، الحسد : تمني الرجل أن يحول الله إليه نعمة الآخر أو فضيلته ، ويسلبهما عنه .